ابن المقفع
216
آثار ابن المقفع
الضعف « 1 » في هذه النوبة « 2 » ، فإنه إن أفلت لن يعود معي أبدا ، والفرص لا تصاب في كل وقت . فجاش جأش « 3 » الأسد لتحريض ابن آوى له وخرج إلى موضع الحمار ، فلما بصر به عاجله بوثبة افترسه بها ، ثم قال : لقد ذكرت الأطباء انه لا يؤكل إلا بعد الاغتسال والطهور ، فاحتفظ به حتى أعود فآكل قلبه واذنيه واترك ما سوى ذلك قوتا لك . فلما ذهب الأسد ليغتسل عمد ابن آوى إلى الحمار فأكل قلبه واذنيه رجاء ان يتطير « 4 » منه الأسد فلا يأكل منه شيئا . ثم إن الأسد رجع إلى مكانه فقال لابن آوى اين قلب الحمار وأذناه ؟ قال ابن آوى : ألم تعلم أنه لو كان له قلب يعقل به وأذنان يسمع بهما لم يرجع إليك بعد ما أفلت ونجا من الهلكة ؟ وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أني لست كذلك الحمار الذي زعم ابن آوى أنه لم يكن له قلب ولا أذنان . ولكنك احتلت علي وخدعتني فخدعتك بمثل خديعتك واستدركت « 5 » فارط أمري « 6 » . وقد قيل إن الذي يفسده الحلم لا يصلحه إلا العلم . قال الغيلم : صدقت إلا أن الرجل الصالح يعترف بزلته ، وإذا أذنب ذنبا لم يستحي ان يؤدب لصدقه في قوله وفعله ، وإن وقع في ورطة أمكنه التخلص منها بحيلته وعقله كالرجل الذي يعثر على الأرض وعليها يعتمد في نهوضه . فهذا مثل الرجل الذي يطلب الحاجة فإذا ظفر بها أضاعها . .
--> ( 1 ) الضعف : بالضم للبدن وبالفتح للعقل . ( 2 ) النوبة : المرة . ( 3 ) جاش جأشه : هاج . ( 4 ) يتطير : يتشاءم ويعتقد الشر . ( 5 ) استدركت : تلافيت . ( 6 ) فارط أمري : ما زللت به .